مدونات الأسرى

ملحمة الحرية .. عملية تحرير الأسرى من سجن الحوض الجاف

لم يكن دخول الفقيد المجاهد مبارك عباس للسجن نهاية حراكه ، بل بدايةً لحراكٍ آخر لا يشبه شيئاً عرفه من قبل ..

حُكم عليه 3 سنوات ، و دخل من بوابةٍ ضيّقة إلى مكانٍ أضيق .. جدران خشنة ، ممرّات خانقة ، و سجناء ترى في عيونهم قصص لا تنام .. لم يكن هناك ضوءٌ كافٍ ولا راحة، فقط أيام بطيئة تُسحب من العمر سحباً..

حُكِم على شخصاً ذات ليلة و أصبح معه في الزنزانة ، و بدأ همس الهروب يدور بينهم .. خططٌ تُرسم في الظلام، خطوات تُحسب بدقّة ، و تحرّكٍ هادئ … لكن التوفيق لهاذه العمليّة لم يكن في صفّهم ، ففي 10 مارس 2015 انقلب السجن إلى موجٍ هائجة .. أصوات صراخ، حديد يُطرق، و عيون تائهة تبحث عن النجاة .. جاءت قوات الشغب، و انهالت العصيّ على كل شيء يتحرك.. كانت ليلة لا تُنسى… مؤلمة، ثقيلة، وملطخة بالدم ..

وبعد العاصفة، جاء القرار: النقل إلى سجنٍ الحوض الجاف .. هناك، في المكان الجديد شخصيات تحمل في داخلها نفس الشرارة التي يحملها ومع الأيام، أصبحت الأحاديث الهادئة خططاً، والشكوك ثقةً، والخوف عزيمةً ، وهكذا… بدأت العملية – العملية التي ستغيّر حياة الجميع

بعد أن أُعتقل مبارك وحُكِم عليه بفترة ليست طويلة جدّاً تم اعتقالي وبعدها تم إصدار الحُكم عليّ، فصرتُ مع مبارك في زنزانة 20 بمبنى 3

بعدها صرتُ أنظر في كل جهةٍ من المبنى من الداخل والخارج لكي أقوم بالتخطيط لعملية هروب، ومن أجل الاستمرار في التخطيط ولأجل التنفيذ لا بُد من امتلاك هاتف، ولأنّ مبارك معتقل قديم وعلى علاقةٍ جيدة مع الجميع (أطلعته على ما يدور في رأسي وأخبرته بأنّي أحتاج إلى هاتف).. وافق ووفّر لي الهاتف.. مع مرور الوقت وأثناء التخطيط أَحسَّ الشهيد عبدالله العجوز بأنّي أحاول الهروب؛ لأنّي كنت كثير الذهاب إلى الغرفة التي يوجد بها الهاتف، فقام بالتلميح لمبارك بأنّه إذا كان هناك أيّ عمل يساعد على الخروج من السجن فهو يريد المشاركة فيه، ولكن مبارك لم يُظهر له أي شيء بشأن عمليّة الهروب، فأتى لي ليخبرني بأن العجوز ربما أحس بشيء عن العملية، وأخبرني بما قال له.. قلت له: اتركه في شكوكه ولا تُؤكّد له ما في رأسه.. بعدها اشتعل المكان بالأحداث وصارت المواجهة بين الشباب وقوات الشغب.. بعد الأحداث المريرة والمؤلمة -ضربة جو- تم نقلنا لمبنى صغار السن -مبنى 17.

هناك حيث البوابات الضخمة والأسوار الرفيعة والكاميرات التي تملأ الأرجاء.. أتى لي مبارك في أول أسبوع وأخبرني بأن هناك شخصاً يريد منّي أن أخطّط لعمليّة الهروب.. اندهشت من طلبه ورفضته.. ثم أتى لي مرّةً ثانية وأعاد الكلام، فقلتُ له: من هذا الشخص!!؟؟.. قال لي: ذلك الشخص أوصاني بأن لا أخبرك باسمه إلا من بعد أن آخذ منك الموافقة.. فرفضت الطلب مجدّداً.. بعدها أتى لي مرّةً ثالثة وقال لي: سوف أخبرك من يكون الشخص.. قلت له: لا أريد أن أعرف.. إذا كان يريد شيئاً فليأتي وليخبرني بنفسه.. في اليوم التالي أتى لي وقال لي: اذهب في الوقت الفلاني إلى المكان الفلاني وسوف يأتي إليك.. ذهبت إلى ذاك المكان -وهو ساحة التشمّس- في الوقت المحدّد، فأتى لي الشهيد عبدالله العجوز.

لم يخطر ببالي أن يكون الشهيد هو ذاك الشخص، فقد كنت أعتقد بأنّ صاحب الطلب شخصٌ آخر-.. بعد أن أتى لي جلس بقربي وبدأ يقول لي بما يمكنه مساعدتي فيه من أجل العمليّة.. فقلت له الاحتياجات الأساسيّة وأنّنا لا نملكها.. لم أرفض، ولكنّي لم أوافق.. بعد مرور الزمان وتصارع الأفكار في الذهن ثبتت خطة مُحكمة.

في أحد الاجتماعات مع الشباب -المشاركين في العملية- سألتهم: هل أنتم جاهزون للتنفيذ؟!!!.. -إن لم أخطئ- كان الجميع جوابهم “نعم” ما عدا شخصين: 1- لم يجهزا بدنيّاً، 2- مبارك قال لي: (لستُ جاهزاً روحيّاً، لا زلت أحتاج التقرّب أكثر لله سبحانه)، فابتسمت له..

كان مبارك مسؤول العيادة، فكان يسجّل اسمي دائماً للعيادة لكي أتمكّن من الخروج من المبنى وأكمل بقيّة التخطيط..

كان جدول أيام العيادة بمبنى 17 -صغار السن- إلى سجن “جو” -والتوقيف- هو “الثلاثاء + الجمعة”.. تم تحديد يوم الجمعة لتنفيذ العملية، فقام مبارك بالاتّفاق مع الشرطي المسؤول بأنه سيقوم بتسجيل أكبر عدد ممكن للذهاب للعيادة في يوم الثلاثاء، وفي يوم الجمعة لن يسجّل أحداً للعيادة، فوافق الشرطي المسؤول؛ لأنه سيرتاح من التحرّكات الداخلية في يوم الجمعة..

بعد أن أخبرت كل شخص عن عملية الهروب لم أسأله مرّةً أخرى بشأن المشاركة.. لكن مبارك سألته مرّة أخرى في يوم تنفيذ العملية: “هل ستشارك معنا؟!!”.. قال: “نعم”.. قلت له: “بقي عليك 9 أشهر -تقريباً- وستكون حراً!!”..

قال لي: “كنتُ كثير الأخطاء وكثير الزلّات وكثير الغفلة قبل دخولي إلى السجن لأنّ من هم حولي ليسوا بمثلكم، أنا لا أريد أن أكون حراً وأكون مثلما كنت سابقاً، أريد أن أكون معكم حتى وإن عشت مطارداً وفي ضيق.. الأهم أن أكون قريباً من الله”. سررت كثيراً لما قاله، ولكنّي طلبت منه أن يفكّر ويخبرني بقراره النهائي، فقال لي: “هذا قراري النهائي”.

كانت مهمّة مبارك هي استدراج “الشرطي” من عنبر 2 إلى الغرفة في آخر العنبر -غرفة الطعام- ويُدخله فيها وبعد أن يُدخله يغلق الباب عليه من الخارج، ولكن قبل بدء العملية بلحظات تم تغيير دور مبارك مع أحد الأخوة بسبب خطأ فني، فأصبح دوره مع بقيّة الأخوة في الهجوم على حجرة “الشرطة”، وكان كل اثنين من الأخوة على “شرطي” واحد لكي يقوموا بتثبيته وربطه بسهولة.

بعد أن تم تثبيت “الشرطة” والسيطرة عليهم قمنا بأخذ بعض البدلات العسكرية.. وفي تلك الأثناء ظنّ أحد “الشرطة” بأنّنا سنقوم ببعض الأفعال غير الأخلاقية فقام بالتوسّل وأراد تقبيل رجلي، فصفعته على وجهه وكنت بصدد صفعه الثانية، فأتى مبارك وأمسكني وقال: “اتركه وشأنه لكي لا نتأخر”، فقمت بالضغط على القيد وقلت له: نحن لسنا مثلكم، نحن أشرف منكم”.. بعدها نزلنا للطابق الأرضي وانقسمنا لفرقتين.

بعدها خرجنا جميعاً من السجن بالعبور من البوّابتين الرئيسيّتين.. بعد أن خرجنا لم نجد السيارتين التي كانتا من المفترض أن تنتظرنا، فصرنا في الشارع ننتظر خلف الحواجز الإسمنتيّة بين الشارعين.. أحد الشباب أراد الهروب نحو المصنع ليختبئ هناك، فمنعته.. بعدها أوقفنا باصاً قائده آسيوي فركبنا فيه وذهبنا لمنطقة البلاد القديم، فترجّلنا من الباص وصرنا ننتقل من منزل لآخر ونركض في الشوارع حتى وصلنا لمسجد أبو شجاع بالقرب من الأراضي الزراعية -الدواليب-، فأتى أحد الشباب المتّفق معه سابقاً بالسيارة وأخذنا لمنزل في نفس المنطقة البلاد القديم.

فجلسنا في الكراج -الطبيلة-؛ لأنه لا يوجد أحد في المنزل عدا امرأة.. أتى لي مبارك وقال: عندما كنا ننتظر بين الحواجز الإسمنتيّة كانت قد أتت فكرة في ذهني بأن أذهب وأختبئ بين السيارات المتوقّفة قبالة السجن، ولكني تخلّيت عن الفكرة لأكون معكم فيما يكون.

بعد مرور ساعات طويلة من الانتظار داهموا المنزل وتم اعتقال أغلب الشباب، والبقيّة تمكنوا من الإفلات.. من لحظة القبض علينا مروراً بكافّة الأماكن التي تم أخذنا إليها للتحقيق والتعذيب وصولاً لمبنى 17 مرّة أخرى لم أرَ في وجه مبارك ولم أسمع منه شيئاً يدل على ندمه وحسرته، بل كان راضيّاً بما شاءه الله.. في العزل وبالقيد لم يترك صلاة الليل، وبعد أن أزالوا القيود لم يترك التمارين البدنيّة، وكان دائماً مرحاً ويُضحك الشباب.. إلى أن خرجنا من العزل وافترقنا في المباني في سجن جو

بقلم : أسير في سجن جو المركزي

خُطَّت هذه الكلمات لتبقى شهادةً حيّةً تتوارثها الأجيال، تخليداً لذكرى الفقيد المجاهد ‘مبارك’ ورفاق دربه الشهيدين ‘السيد محمود عادل’ و ‘عبدالله العجوز’؛ الذين سطروا بدمائهم وإرادتهم ملمحة الحرية في عملية التحرر البطولية، فكانوا أحراراً في قيدهم، وأحراراً في انعتاقهم، حتى نالوا وسام الشهادة الرفيع.. لتبقى ذكراهم منارةً لكل طامحٍ نحو كرامة الإنسان وعدالة القضية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى