الأخبار

أجراس المدارس تُقرع وأمهات يبكين بصمت.. أربعة أطفال يختنق ربيعهم خلف قضبان سجن الأحداث

في كل صباح، ومع أولى خيوط الشمس التي تعلن بداية يوم دراسي جديد، تمتلئ الشوارع بضحكات الصغار وهم يحملون حقائبهم المدرسية الملونة، متوجهين نحو فصولهم وأحلامهم. لكن في زاوية أخرى من هذا العالم، وتحديداً في البحرين، تقف أمهات أمام غرف فارغة ومقاعد شاغرة، تبتلعن غصة تدمي القلوب؛ فهناك أربعة أطفال لم يعودوا ليحملوا حقائبهم، بل ابتلعتهم زنازين سجن الأحداث الباردة، لتُسرق أجمل سنوات طفولتهم أمام أعين الجميع.

نحن لا نتحدث هنا عن بالغين أشتد عودهم لمواجهة قسوة السجون، بل عن عصافير صغيرة لم تكتمل أجنحتها بعد؛ الشقيقان هادي عباس غريب (14 عاماً) وصادق عباس غريب (15 عاماً)، ومعهما الشقيقان أحمد إبراهيم (14 عاماً) ومحمود إبراهيم، الذي لم يتجاوز ربيعه الثاني عشر، أصغرهم سناً وأكثرهم حاجة لحضن أمه. أطفال أبرياء، مكانهم الطبيعي هو حضن عائلي دافئ، ومقعد دراسي، وساحة لعب يركضون فيها بأمان، وليس أروقة التحقيق وجدران الاحتجاز الموحشة.

منذ أواخر مايو 2026، توقف الزمن فجأة في منازل عائلتي غريب وإبراهيم. في 25 مايو، ذهب هادي وصادق إلى مركز شرطة الحورة، وبعدهما بثلاثة أيام فقط، في 28 مايو، تبعهما أحمد ومحمود إلى نفس المركز. ذهبوا ولم يعودوا. انقطعت حياتهم عن مسارها الطبيعي، لتبدأ رحلة ألم مستمرة دخلت شهرها الخامس.

هل تتخيلون ماذا تعني أكثر من أربعة أشهر في حياة طفل في الثانية عشرة أو الرابعة عشرة من عمره؟ إنها ليست مجرد أرقام على تقويم الزمن؛ إنها دهر من الخوف، والحرمان، والشوق لصوت الأم. كل يوم يقضيه هؤلاء الصغار خلف القضبان يمثل انتهاكاً صارخاً لحقهم في التعليم والحياة الطبيعية. بدلاً من أن تُصاغ ذاكرتهم بدروس العلوم وأناشيد الصباح ولعب كرة القدم مع الأصدقاء، تُحفر في أذهانهم الغضة صور السجن والعزلة وفقدان الأمان.

تتجاوز هذه المأساة حدود القضبان لتضرب في صميم قلوب الأمهات اللواتي يعتصرن ألماً في كل ليلة يخلدن فيها إلى النوم، وهن يتخيلن أطفالهن يرتجفون خوفاً أو برداً بعيداً عنهن. إن حرمان طفل في هذا العمر من الرعاية اليومية وعناق والدته يترك ندوباً نفسية غائرة، ويزرع في روحه الطرية مشاعر القلق والاضطراب التي قد تشوه مستقبله واستقراره العاطفي للأبد.

إن السجون ومراكز التوقيف، مهما حُسّنت مسمياتها، هي مقابر لبراءة الأطفال. حبس محمود وأحمد وهادي وصادق ليس مجرد إجراء، بل هو جرح إنساني نازف يضع الضمير المجتمعي والحقوقي أمام اختبار حقيقي. هؤلاء الفتية ليسوا أرقاماً تُضاف إلى قوائم المحتجزين، بل هم أرواح صغيرة تستغيث، ولكل واحد منهم اسم، ووجه بريء، وحق مسلوب في التعليم والأمان.

تبقى قضية هؤلاء الأطفال الأربعة نداءً إنسانياً مدوياً يطرق أبواب الإنسانية: أنقذوا براءتهم، وأعيدوهم إلى أحضان أمهاتهم ومقاعد مدارسهم التي تبكي غيابهم. فالمعيار الحقيقي لعدالة وإنسانية أي مجتمع، يبدأ وينتهي، عند حمايته لأطفاله وضمان ألا تُسحق طفولتهم وراء الجدران الإسمنتية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى