بين غيبوبة الأب وقسوة الإجراءات: سلمان أبو حسان يطارد "إذناً" لزيارة والده المريض

في إحدى أسرّة مستشفى السلمانية، يرقد رجل في غيبوبة تامة، غائباً عن الوعي ومحاطاً بأجهزة التنفس والمراقبة الطبية التي تسجل مؤشراته الحيوية بتواتر بطيء. وعلى بعد مسافة لا تُحسب بالكيلومترات بل بقسوة الجدران والقيود، يقبع نجله المعتقل سلمان علي سلمان عيسى أبو حسان، ابن بلدة الدير، يخوض معركة الإصرار والمتابعة من داخل محبسه، لا للنيل من حريته المسلوبة، بل للمطالبة بحق إنساني كفلت الموانئ والقوانين كفالته: الوقوف عند رأس والده وسماع أنفاسه عن قرب.
تلقى سلمان الخبر المحزن عن التدهور الحاد لصحّة والده ودخوله في حالة غيبوبة حادة، لتتحول أيام الاحتجاز لديه إلى مواجهة مفتوحة مع المماطلة والتعنت الإداري. لم ينكفئ الشاب أمام قسوة الظرف، بل بدأ مساراً حازماً للمطالبة بزيارة استثنائية لوالده الراقد بين الحياة والموت، وهو حق بديهي تكفله كافة الأعراف والمواثيق الحقوقية.
بدأت رحلة الطلب والمتابعة الرسمية في التاسع عشر من أغسطس/آب 2026، حين تحدث سلمان مباشرة مع ضابط المبنى المدعو “محمد صلاح”، موضحاً الوضع الصحي المتردي لوالده ومقدماً طلباً صريحاً لإدارة السجن للموافقة على زيارة إنسانية عاجلة. وأمام سياسة التجاهل واللا أبالية التي تنتجها إدارة السجن، عاود سلمان انتزاع حقه بالمتابعة في الحادي والعشرين من الشهر ذاته، حيث أبلغ النقيب “عمر حافظ” بتفاصيل حالة والده الحرجة داخل المستشفى، محاولاً كسر جدار الصمت والبيروقراطية الممنهجة.
أبدت إدارة السجن استهتاراً واضحاً بالبعد الإنساني للقضية، لكن سلمان واصل مطالباته بثبات؛ ففي الخامس والعشرين من أغسطس/آب، تقدم بطلب رسمي ومباشر للضابط المدعو “يوسف القواضي”، يصر فيه على تمكينه من زيارة والده المريض في المستشفى، أو إتاحة اتصال مرئي كإجراء عاجل. ومع استمرار تدهور الحالة الصحية للأب، كرر سلمان خطوته في الثلاثين من أغسطس/آب بتقديم رسالة مكتوبة لمتابعة الطلب عبر الضابط المدعو”أحمد التميمي”، تلتها محاولة جديدة في الأول من سبتمبر/أيلول مع ضابط المبنى المدعو “محمد صلاح”.
تجلت ذروة التعنت وسوء المعاملة الإدارية في الثالث من سبتمبر/أيلول 2026، حين أُبلغ سلمان بالموافقة على إجراء “اتصال مرئي” فقط، بينما أبقت الإدارة طلب “الزيارة المباشرة” معلقاً على موافقة وزارة الداخلية، في محاولة مكشوفة للتنصل من المسؤولية والإمعان في التضييق النفسي على المعتقل وعائلته. وتتبرز المفارقة الفاقعة والصادمة في الاكتفاء بـ “الاتصال المرئي” لرجل يرقد في غيبوبة تامة؛ إذ كيف يمكن لاتصال عبر شاشة أن يحقق أي تواصل مع أب فاقد للوعي ولا يستطيع التحدث أو الإدراك؟ إنها استجابة شكلية تتجاهل الواقع الطبي للوالد، وتجعل من التواصل المزعوم مجرد شاشة باردة تُعرض عليها ملامح رجل غائب عن الوعي، بدلاً من تمكين ابنه من التواجد الفعلي إلى جانبه لمسك يده وسماع أنفاسه عن قرب.
إن ما تقوم به إدارة السجن ليس مجرد بطء إجرائي، بل هو سلوك عقابي ومماطلة متعمدة تحرم الابن من حق الوقوف إلى جانب أبيه في أشد لحظاته حرجاً. إن تقديم “شاشة باردة” كبديل عن الحضور الفعلي أمام رجل في غيبوبة يُعبر عن تجرد كامل من الحس الإنساني، ويكشف عن نهج يستهدف تحويل الظروف الإنسانية القاهرة إلى وسيلة إضافية للضغط والتنكيل بالمحتجزين.




