الإقصاء التعسفي والعزل الانتقامي لخمسة أسرى مـــن برنامج “السجـــون المفتوحة” والتنصل الإداري مـن العهود والاتفاقيات

في تصعيد أمني خطير يسلّط الضوء على استمرار العقلية العقابية وتجذر سياسة الانتقام داخل المعتقلات، رصدنا إقدام إدارة السجن على اتخاذ إجراءات تعسفية قاسية بحق خمسة أسرى من مستفيدي برنامج “السجون المفتوحة” (مبنى 11). تمثلت هذه الإجراءات في إقصائهم المفاجئ من البرنامج، ونقلهم في ظروف مهينة إلى الحجز الانفرادي (التحفظ)، وذلك في سياق معاقبتهم على ممارسة حقهم في التعبير والمطالبة بالوعود الرسمية المتعلقة بالإفراج عنهم. إن هذه الواقعة لا تمثل مجرد انتهاك فردي، بل تعكس نهجاً إدارياً يفرّغ مشروع “السجون المفتوحة” من أهدافه التأهيلية المعلنة، ويحوله إلى أداة للابتزاز والمساومة على حقوق الأسرى وكرامتهم.
استناداً إلى الإفادات والتوثيقات الواردة، يمكن تسلسل الوقائع على النحو التالي:
الالتزام والاستيفاء: أمضى الأسرى الخمسة أكثر من ستة أشهر داخل برنامج السجون المفتوحة، أثبتوا خلالها التزاماً تاماً بكافة المحاضرات والأنشطة التأهيلية، واستوفوا جميع الشروط والمراحل القانونية المقررة للانتقال إلى مرحلة الإفراج النهائي.
خلفية الحدث: بادر الأسرى بالمطالبة بحسم ملف احتجازهم والإفراج عنهم التزاماً بالوعود المتكررة من الجهات المعنية.
التنفيذ التعسفي: قبيل الإفراج عن 63 أسيراً آخرين من البرنامج، تم استدعاء الأسرى الخمسة إلى “الكونتر” بشكل مباغت، ومُنعوا من أخذ مقتنياتهم الشخصية وحاجياتهم.
النقل والعزل: تم إخراج الأسرى ووضعهم في حافلة كانت بانتظارهم، ونُقلوا إلى جهة عزل (تحفظ)، دون إبلاغهم بشكل مباشر بوضعهم أو وجهتهم أو الإجراء المتخذ بحقهم.
الإقصاء الرسمي ونقض الاتفاق: حضر ضابط تابع للبرنامج وأبلغ مسؤول العنبر بإسقاط أسماء الأسرى الخمسة من البرنامج كإجراء عقابي. وتشير المعلومات الواردة من (مبنى 12) إلى وجود نوايا بنقلهم إلى (مبنى 2)، وهو ما يشكل خرقاً واضحاً وصريحاً للاتفاق المسبق مع “مدير السجون المفتوحة”، والذي نص على: “في حال عدم ملاءمة البرنامج لأي أسير، يتم إرجاعه إلى مبناه الأصلي الذي جاء منه”.
واستهدف القرار كل من : السيد أحمد حسين شرف علي محمد (محكوم بالمؤبد)،جاسم محمد مهدي الاسكافي (محكوم بالمؤبد)،علي محمد حسن ميرزا كاظم (محكوم بالسجن 21 سنة)، منتظر أحمد سلمان علي النصوح (محكوم بالمؤبد)،علي أحمد علي أحمد مكي (محكوم بالسجن 15 سنة).
من خلال تحليل الوقائع المذكورة، تتجلى بوضوح مسؤولية إدارة السجن وأوجه التقصير والتعسف في النقاط التالية:
استخدام العزل كأداة انتقامية: إن اللجوء إلى سياسة الحجز الانفرادي (التحفظ) لمجرد مطالبة الأسرى بحقوقهم أو تعبيرهم عن مواقفهم يمثل تعسفاً إدارياً وعقاباً خارج الأطر القانونية المنظمة للحقوق.
المباغتة ومصادرة الحقوق الأساسية: استدعاء الأسرى بحجة واهية ومنعهم من اصطحاب مقتنياتهم الشخصية ينم عن سوء نية إداري، وقصد واضح لإلحاق الأذى النفسي والمادي بهم.
التنصل من الاتفاقيات والوعود: إن نية نقل الأسرى إلى (مبنى 2) بدلاً من مبانيهم الأصلية يعد نسفاً صريحاً للاتفاق المبرم مع مدير السجون المفتوحة، مما يفقد الإدارة مصداقيتها ويؤكد العشوائية والمزاجية في اتخاذ القرارات.
انعدام الشفافية: إبقاء الأسرى في حالة من المجهول، دون إبلاغهم بقرارات نقلهم أو إسقاطهم من البرنامج بشكل رسمي ومباشر، يمثل انتهاكاً لحق المحتجز في معرفة وضعه القانوني والإداري.
إن ما تعرض له الأسرى الخمسة يمس في جوهره كرامتهم الإنسانية وحقوقهم الأساسية. إن إخضاعهم لبرنامج تأهيلي لأكثر من ستة أشهر، ثم معاقبتهم بإقصائهم وعزلهم لمجرد ممارستهم حق المطالبة بالوعود أو التعبير السلمي، هو استخفاف سافر بحقوق المحتجزين. هذا السلوك الإداري يؤكد أن البرامج التأهيلية تُستخدم كواجهة تجميلية، بينما يُعاد تفعيل أدوات القمع والعزل الانفرادي كعصا غليظة تُرفع في وجه كل من يطالب بحقه، مما يتنافى مع أدنى المعايير الإنسانية في معاملة السجناء.
إن كرامة الأسير ليست منّة تُوهب من قِبل إدارات السجون لتُسلب متى شاؤوا، بل هي حقٌ أصيل وثابت لا يسقط خلف القضبان. إن سياسات العزل الانتقامي والتنصل من العهود قد تنجح في تغييب الجسد مؤقتاً في زنازين التحفظ، لكنها لن تكسر إرادة أسرى أثبتوا صمودهم، ولن تسكت صوتاً يطالب بحقه المشروع. إن الصمت أمام هذه التجاوزات الرعناء ليس خياراً، وتوثيق هذه الانتهاكات هو الخطوة الأولى نحو مساءلة كل من يعتقد أن جدران السجن تحميه من طائلة العدالة والمحاسبة.




