التقارير

“نحن مشاريع شهادة”.. أحمد القبيطي من سجن جو: دمنا في رقبة الحكومة وعلاجنا “ممنوع”

“300 زيارة للعيادة، و7 سنوات من الألم، ليكتشفوا في النهاية ما كنت أخبرهم به منذ البداية”.. هكذا يلخص الأسير أحمد جاسم القبيطي (الذي ينهي عامه الثامن في السجن) رحلة عذابه مع الإهمال الطبي. من سجن “جو” المركزي، يوثق القبيطي شهادة مروعة عن كيفية تحول أمعاء الأسرى إلى حقل تجارب للأغذية الفاسدة والمسكنات، في ظل نظام صحي يصفه بـ “فاقد للمصداقية”.

البداية: تعذيب وغذاء “مسموم”

يعود القبيطي بجذور مرضه إلى الأيام الأولى في سجن “الحوض الجاف”. يؤكد أن آلامه المعوية لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة مباشرة لسببين: الأول هو التعذيب الشديد أثناء التحقيق الذي أدى لإصابته بحصى في الكلى، والثاني هو رداءة الطعام المقدم. يقول القبيطي واصفاً تلك الفترة: “كان الأكل سيئاً للغاية، لدرجة أن الشاي بالحليب كان يُقدم لنا ولونه (أخضر) من سوء التخزين أو الإعداد. هذه السموم المتراكمة دمرت معدتي وأمعائي منذ البداية”.

300 زيارة.. والتشخيص “بسكوبان”!

يوثق الأسير رقماً صادماً لعدد مرات مراجعته لعيادة السجن، حيث تجاوزت 300 زيارة طوال فترة اعتقاله. ورغم هذا العدد الهائل، كان التعامل الطبي نمطياً ومحبطاً. يوضح الأسير: “طوال 7 سنوات، كانوا يصرون على أنني أعاني من قولون عصبي فقط، ويغرقونني بالمسكنات (بسكوبان). كنت ألح عليهم لإجراء فحص للمعدة لشكّي بوجود جرثومة، لكنهم تجاهلوا طلبي. بعد 7 سنوات، وعندما رضخوا أخيراً للفحص، تبين صدق ما كنت أقوله: أنا مصاب بجرثومة المعدة (H. Pylori) التي تفتك بي منذ سنوات”.

بيروقراطية السلمانية: “الورقة تقول قولون”!

حتى عندما يتم تحويله لمستشفى السلمانية، يصطدم القبيطي بجدار البيروقراطية القاتل. يروي واقعة تلخص المأساة: “تم تحويلي للمستشفى، وهناك طلبت من الطبيب فحص معدتي، فكان الرد الصادم: (مكتوب في ورقة التحويل فحص قولون فقط، لا نستطيع فحص المعدة). انتظرت سنوات لهذا الموعد، ليتم فحص الجزء السليم وترك الجزء المريض لأن (الورقة) لم تذكر ذلك!”.

الوضع الراهن: مصادرة الدواء وانتظار المجهول

اليوم، يعاني القبيطي من مضاعفات خطيرة نتيجة التأخر في العلاج، تشمل تسارعاً في نبضات القلب، وأمراضاً جلدية فطرية تعود باستمرار، والتهابات معوية حادة. ورغم ذلك، لا يزال “البسكوبان” هو سيد الموقف، بل وتتم مصادرة الأدوية خلال حملات التفتيش المفاجئة. يقول القبيطي بمرارة: “أنتظر موعداً للمنظار قد يستغرق عاماً كاملاً، وحتى لو أجريته، لا ضمان للعلاج. نحن نعيش في دوامة؛ طبيب يقول لك (شفيت) بينما الألم يمزقك، وآخر لا يقرأ ملفك الطبي أصلاً”.

رسالة أخيرة: “دمنا في رقبة الحكومة”

يختتم الأسير شهادته بتحذير شديد اللهجة، مؤكداً انعدام الثقة في المنظومة الصحية سواء كانت تابعة للداخلية أو الصحة. “نحن لا نخشى الخاتمة، فقد سبقنا شهداء قضوا بسبب هذا الإهمال. لكننا نوثق للتاريخ: نحن نعيش قتلاً طبياً بطيئاً، وإذا أصابنا مكروه، فدمنا في رقبة الحكومة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى