التقارير

من “كسور الجمجمة” أثناء المطاردة إلى “التعذيب الممنهج” في الزنازين.. الأسير محمد إضرابوه يروي لـ”هيئة شؤون الأسرى” فصول “القتل البطيء”

من خلف قضبان “سجن جو المركزي”، لا يكتب الأسير الشاب محمد إبراهيم يحيى إضرابوه (31 عاماً) رسالة استعطاف، بل يوثق وثيقة إدانة. الأسير المحكوم بالسجن لمدة 20 عاماً، قرر أن يخرج عن صمته ليكشف عما يصفه بـ”جريمة القتل البطيء” التي يتعرض لها منذ اعتقاله في مارس 2018، سارداً تفاصيل دقيقة عن رحلة العذاب التي حولت جسده إلى “حقل تجارب” للتعذيب والإهمال الطبي.

في لقاء وثقته “هيئة شؤون الأسرى”، يسرد ابن منطقة سترة تفاصيل الوجع الذي لم يبدأ مع الأصفاد، بل قبلها بأشهر.

ما قبل القيد: الجسد المنهك

يعود بنا “إضرابوه” إلى العام 2017، وهي السنة التي سبقت اعتقاله، ليؤكد أن قصته بدأت بدمائه المسفوكة قبل سجنه. يقول محمد: “لم تبدأ قصتي لحظة وضع القيود في يدي عام 2018، بل بدأت بمطاردة أمنية شرسة في 2017، انتهت بحادث مروع كاد يودي بحياتي”.

ذلك الحادث خلف وراءه جسداً متهالكاً: كسور متفرقة في الجمجمة، تهشم في مفاصل اليدين والقدمين، وإصابات بالغة في فقرات الرقبة والظهر. كان هذا الجسد بحاجة ماسة لطاولة عمليات ورعاية مكثفة، لكن القدر ساقه بدلاً من ذلك إلى غرف التحقيق المظلمة.

سادية التحقيق: الضرب على الجرح

بدلاً من مراعاة وضعه الصحي الحرج عند اعتقاله في مارس 2018، استغلت العناصر الأمنية إصابات محمد لزيادة تنكليلها به. يصف محمد تلك اللحظات بمرارة: “لم تراعِ الأجهزة الأمنية جسدي المكسور، بل تفننوا في تعذيبي بأساليب سادية. كانوا يتعمدون تركيز الضرب على أماكن إصاباتي القديمة في رأسي وظهري لمضاعفة الألم”.

ويتذكر محمد لحظة وصوله إلى سجن “جو” المركزي، حيث استقبله أحد أفراد قوات الشغب بضربة قوية ومتعمدة على رأسه المصاب بكسور سابقة، ما أدى لسقوطه مغشياً عليه، ليدخل بعدها في نوبة إعياء شديد استمرت أياماً.

محطات الجحيم: الانتقام والعزل

لم يتوقف العذاب عند مرحلة التحقيق، بل تحول إلى نهج مستمر داخل السجن. يوثق “إضرابوه” محطتين بارزتين شكلتا فارقاً في تدهور حالته الصحية:

  • العزل الانتقامي: عقب إعدام الشهيدين علي العرب وأحمد الملالي، تم عزل محمد انفرادياً لمدة 12 يوماً. يقول: “تناوب 4 ضباط على ضربي وركلي، مركزين على رأسي. ساءت حالتي لدرجة أنهم اضطروا لنقلي لعيادة السجن 4 مرات خلال تلك الفترة القصيرة لإخفاء آثار التعذيب قبل إعادتي للعنبر”.
  • حادثة “علبة الفلفل”: في منتصف 2021، وبعد قمع اعتصام مبنى 12 (الذي تلا استشهاد عباس مال الله)، تعرض محمد لاعتداء وحشي من قبل أحد المرتزقة (أحمد فرحان) الذي ضربه بـ”علبة رذاذ الفلفل الصلبة” مباشرة على رأسه، مما تسبب له بفقدان مؤقت للبصر وتدهور عصبي حاد.

الإهمال الطبي

اليوم، يدفع محمد ضريبة هذا التاريخ الطويل من الاعتداءات. يعاني من تشنجات ونوبات صرع مفاجئة، تنميل دائم، شحنات كهربائية زائدة تمنعه من النوم، وآلام مبرحة ناتجة عن احتكاك العظم بالعصب في الرقبة.

ورغم خطورة الحالة، تواجه إدارة السجن ذلك بـ”التزوير والمماطلة”. يؤكد محمد: “ألغوا مواعيدي الخارجية مراراً، كان آخرها في سبتمبر 2025، ويزورون السجلات ليدعوا أنني أرفض العلاج”.

ويكشف إضرابوه عن تصريح أحد الأطباء المختصين له، حيث قال الطبيب بصراحة: “حالتك تحتاج لعمليات ورعاية خاصة” فيما تماطل إدارة السجن ذلك عمدًا رغم توصية الطبيب، وبدلاً من الجراحة، يتم إغراقه بـ”كوكتيل” من المسكنات (ماركادول، فولتارين، زيليبريكس) وأدوية الصرع التي دمرت معدته دون علاج أصل الداء.

“المدرعة” رحلة عذاب إضافية

حتى عندما يُسمح له بالذهاب للمستشفى، تتحول الرحلة عبر “المدرعة” (السيارة المصفحة) إلى عقوبة بحد ذاتها. يضطر للجلوس على كرسي بلاستيكي خشن في مساحة ضيقة من السادسة صباحاً حتى العصر، مما يفاقم إصابات ظهره ورقبته بدلاً من علاجها.

يختتم الأسير محمد إضرابوه شهادته لـ”هيئة شؤون الأسرى” بنداء عاجل: “هذه حالتي باختصار: جسد متهالك، وعلاج ممنوع، وألم لا يتوقف. أناشدكم التحرك لإنقاذي وتمكيني من حقي في العلاج قبل فوات الأوان”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى