مدونات الأسرى

همسة الفجر – كتب بواسطة: الأسير حسن قمبر – النويدرات

همسة الفجر

في شهر رمضان من عام 2010، كانت الأجواء مثقلة بظلال ما عُرف بـ “القبضة الأمنية”. كان الخوف يسري في همس الناس، والحذر يرسم ملامح الوجوه. في قلب هذا التوتر، كان فجر مسجد الشيخ أحمد بالنويدرات يمنحنا سكينة مسروقة من الزمن، خاصة ونحن نصلي خلف قامة باسقة كالأستاذ المجاهد عبد الوهاب حسين.

في أحد تلك الأيام، وبعد أن انقضت صلاة الصبح وانتشر المصلون بهدوء، وجدتُ في نفسي جرأة ممزوجة بالود، فاقتربت منه برفقة صديقي. انحنيت قليلاً وقلت بنبرة عتابٍ محبّ: “أستاذ، لديّ عتب عليك… سنوات طويلة وأنا ألاحقك بالكاميرا، وكل صوري لك بالثوب الأبيض، وإذا بوزارة الداخلية تسبقني وتنشر لك صورة رائعة بثوب ملون!”.

كنت أشير إلى صورته التي تصدّرت الصحف الرسمية حينها كجزء من حملتهم. انتظرْتُ ردًا جادًا أو ربما تعليقًا عابرًا، لكن الأستاذ أدار وجهه نحوي، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، كأنها شعاع شمس اخترق غيوم الفجر. قرّب فمه من أذني وهمس بصوت خفيض بالكاد يُسمع، صوت يحمل دفءًا ودعابة تتحدى كل ما حولنا:

“إسكت… إسكت… ذلك الإرهابي ليس أنا… بل هو حسن مشيمع الذي يقصدونه”.

في تلك اللحظة، لم تكن كلماته مجرد مزحة، بل كانت درسًا في الثبات. كانت طريقة ليقول لنا إن الروح لا يمكن أن تُحاصر، وإن الضحكة قادرة على أن تُحدث ثقبًا في جدار الخوف. وسط عالمٍ أراد أن يصبغهم بلون الإرهاب، كان هو يمازحنا حول لون ثيابه، مذيبًا جليد التوتر بهمسة واحدة، ومؤكدًا أن إنسانيته ومحبته للناس أقوى من أي قبضة أمنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى