سلطة الحب والمودة- الأسير علي إبراهيم موسى – توبلي

سلطة الحب والمودة
في أواخر الثمانينيات، ربما عام 1989، كان لمدرسة مدينة عيسى الإعدادية مشرف اجتماعي استثنائي اسمه عبد الوهاب حسين. وكأي مدرسة، كان لدينا أولئك الفتية الذين نصنفهم “مشاغبين”، طاقة متفجرة لا يبدو أنها تكترث لقانون أو نظام. لكن الغريب في أمرهم كان “كلمة السر” التي توقف تمردهم فورًا.
كانوا يعبثون، يتشاجرون، ويثيرون الفوضى بلا مبالاة، إلا أن كل هذا الصخب كان يتلاشى عند جملة واحدة: “سأخبر الأستاذ عبد الوهاب”. كان مجرد التلويح باسمه كافيًا ليرتدعوا ويتراجعوا عن أي فعل كانوا ينوون القيام به. في ذلك الوقت، كنا نظن أن السبب هو الهيبة أو الخوف من عقاب صارم.
لكن السر الحقيقي، السر الذي يفسر تلك الهيبة الممزوجة بالاحترام، لم نكتشفه إلا بعد أن غادر الأستاذ مدرستنا. لقد كان “الأستاذ” بالنسبة لهؤلاء الفتية أكثر من مجرد مشرف؛ كان أبًا وراعِيًا. لقد احتضنهم بعناية خاصة، فكان يقتطع من ماله الخاص مصروفًا شهريًا لكل واحد منهم. لم يكن يكتفِ بذلك، بل كان يجلس معهم، يصغي لهمومهم ومشاكلهم التي تثقل كاهلهم الصغير، ثم يكرّس وقته وجهده، حتى خارج ساعات الدوام الرسمي، ليجد لهم حلولًا حقيقية ويتابعها بنفسه.
لقد بنى سلطته عليهم ليس بالصوت العالي أو بالعقاب، بل بالحب والرعاية الصادقة. وهذا ما كشف لنا عن جوهر منهجه: فهو لا يلقي بالنظريات الاجتماعية في الهواء، بل يغرس الحلول بيديه ويسقيها باهتمامه حتى تزهر. وهو نهجٌ حمله معه من فصول المدرسة إلى ساحات الحياة الأوسع، بما فيها الميدان السياسي.
كتب بواسطة: الأسير علي إبراهيم موسى – توبلي





