من سجن الحديد إلى سجن الحرمان… متى تنتهي عقوبة جعفر معتوق

هيئة شؤون الأسرى – البحرين
30 أبريل / نيسان 2025
جعفر معتوق، سجين سابق، خرج من ظلمات الزنازين بعد عقد من السنين، مثقلًا بجراح لا تزال تنزف، وجسد أرهقه القيد، وبصرٍ فقده لا بسبب داء عضال، بل نتيجة الإهمال المتعمد والحرمان الممنهج من العلاج. كان الأطباء يدركون حالته الصحية الحرجة وحاجته الماسة للرعاية، لكن خلف القضبان، تُنسى حتى الإنسانية.
في عام 2014، وبينما كان لا يزال يتعافى من إصابة جسدية خطيرة، نُقل جعفر من المستشفى مباشرة إلى السجن، مقيّدًا لا بحزام طبي، بل بأصفاد حديدية، دون أن يُمنح فرصة لتقديم أي طلب أو الدفاع عن نفسه أو حتى اللجوء إلى القانون. قضى عشر سنوات كاملة خلف القضبان، كفيفًا، لا يرى نور الشمس، ولا يلمح وجوه أحبّته، ولا يجد أثرًا لحقوقه التي طُمست في دهاليز الإهمال.
اليوم، وبعد ان أُفرج عنه في أبريل 2024، يجد نفسه أمام سجن من نوع آخر: الفقر والحرمان. تقدّم بطلب تقاعد إلى الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية، مستندًا إلى إصابته السابقة للسجن، أملاً في تأمين ما يسنده في كفاحه اليومي. لكن الرد جاء قاسيًا: “كان عليك تقديم الطلب فور الإصابة”. كأنما يُعاقب مرة أخرى على سَجن لم يكن له فيه خيار، وعلى حرمان لم يكن له فيه يد.
أرفق جعفر مع طلبه تقارير طبية ومستندات صادرة عن النيابة العامة تثبت بوضوح أنه قضى الفترة من 2014 حتى 2024 داخل السجن، بلا قدرة على اتخاذ أي إجراء قانوني. ورغم ذلك، قوبلت دعواه بالتجاهل، وكأن سنوات العذاب لا تكفي، وكأن فقدانه للبصر لم يشفع له، وكأن الظلم يجب أن يستمر حتى خارج أسوار السجن.
ما يزيد مرارة الوضع أن الإفراج عن جعفر تم ضمن مرسوم ملكي أصدره حاكم البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في أبريل 2024، يقضي بإطلاق سراح مئات المعتقلين السياسيين، وتسهيل إجراءاتهم، وردّ حقوقهم التي سُلبت منهم ظلمًا. إلا أن كثيرًا من هؤلاء، وعلى رأسهم جعفر، لا يزالون يواجهون العقوبات نفسها وإن ارتدوا ثوب “الحرية”.
اليوم، يرفع جعفر صوته من جديد، لا ليستجدي، بل ليطالب بحقه. يطالب الجهات الرسمية، وكل صاحب ضمير، أن ينظروا إلى حاله بعين الرحمة والعدالة، وأن يُنصفوه بمنحه أبسط حقوقه التقاعدية التي حُرم منها ظلمًا. فهو اليوم، كفيف، منهك، عاجز عن العمل، يصارع كل يوم لتأمين لقمة عيشه، ويسأل:هل يُعقل أن يُعاقب الإنسان مرتين؟




